يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

335

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

زيدا ، ومن نصب زيدا ، فعلى معنى : إلا أن يكون بعضهم زيدا ، كما أضمر في " ليس " و " لا يكون " ومعنى ذلك كله : إلا زيدا . واعلم أن " حاشى " عند سيبويه حرف جر ، معناه الاستثناء ، ولا يجيز النصب بها وخالفه غيره فجعلها حرفا وفعلا . وحجة سيبويه ، أن العرب لم تصلها " بما " ، كما وصلت " خلا " " عدا " لأنها حرف ، و " ما " إنما توصل بالفعل ، ولو كانت " حاشى " فعلا لم يمتنع من ذلك . وحجة من خالفه : أن الفعل قد تصرف منها كقولهم : حاشى يحاشى . ولقائل أن يقول : هذا الفعل المتصرف أخذ من لفظ " حاشي " الذي هو حرف للاستثناء ، ومنزلته من " حاشى " الذي هو حرف ، " كمنزلة " هلّل " وحوقل من : " لا إله إلا اللّه " ، و " لا حول ولا قوة إلا باللّه " فقد صرف الفعل بما ليس بفعل . ومما احتج به المبرد في أنها فعل كقولهم : حاشَ لِلَّهِ * وزعم أنها لو كانت حرفا ، لم تدخل عليها اللام وهي حرف . وقال الزجاج حاشى للّه في معنى براءة اللّه ، وهي مشتقة من قولك : كنت في حشى فلان ، أي : في ناحية فلان وحاشيته . فإذا قال : حاشى لزيد فمعناه : قد تنحى زيد من هذا وتباعد منه . وعلى طريقة الزجاج قال بعض النحويين : " حاشى " في معنى المصدر . قال : ويقال حاشى للّه وحاشى اللّه كما يقال : براءة اللّه وبراءة للّه فإن قيل : لم لم ينون إذا جعل مصدرا ؟ فالجواب : أنه مبني مثل " بله " وجعله سيبويه مصدرا وهو مبني . هذا باب علامة المضمرين وما يجوز فيهن كلهن اعلم أن المضمر إنما دخل في الكلام خوفا من اللبس واحتراسا منه ، ومن النحويين من يسميه : " المكني " ، وذلك أن الأسماء الظاهرة ، كثيرة الاشتراك والالتباس ، وليس لها أحوال تقترن بها ، تدل على المختص منها إذا التبست ، وإنما تدل على اختصاص المختص منها - في كثير من أحواله - الصفات كقولنا : ( مررت بزيد البزاز ) ، وبهذا الرجل ، وبرجل ظريف . والمضمرات تستغني عن ذلك بالأحوال المقترنة بها ، المغنية عن صفاتها ، والأحوال المقترنة بها : حضور المتكلم والمخاطب ، والمشاهد لهما ، وتقدم ذكر الغائب الذي يصير بمنزلة الحاضر المشاهد في الحكم . واعلم أن ضمير المتكلم جعل له لفظ ينفرد به ، لا يشارك فيه غيره ، كما لا يشاركه غيره في لفظه وعبارته عن نفسه إذا كان لا يجوز كلام واحد من متكلمين ، ولا لفظ من لفظين .